فخر الدين الرازي
701
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
[ الحجر : 88 ] وذلك لأن طلب الدنيا لا بد وأن تكون الدنيا عنده عزيزة ، ومن كان كذلك لم يصلح لأداء الرسالة الثاني : أن من أعطى غيره القليل من الدنيا ليأخذ الكثير لا بد وأن يتواضع لذلك الغير ويتضرع له ، وذلك لا يليق بمنصب النبوة ، لأنه يوجب دناءة الآخذ ، ولهذا السبب حرمت الصدقات عليه ، وتنفير المأخوذ منه ، ولهذا قال : أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ * [ الطور : 40 ] . السؤال الثاني : هذا النهي مختص بالرسول عليه الصلاة والسلام ، أم يتناول الأمة ؟ الجواب : ظاهر اللفظ لا يفيد العموم وقرينة الحال لا تقتضي العموم لأنه عليه الصلاة والسلام إنما نهى عن ذلك تنزيها لمنصب النبوة ، وهذا المعنى غير موجود في الأمة ، ومن الناس من قال / هذا المعنى في حق الأمة هو الرياء ، واللّه تعالى منع الكل من ذلك . السؤال الثالث : بتقدير أن يكون هذا النهي مختصا بالنبي صلى اللّه عليه وسلم فهو نهي تحريم أو نهي تنزيه ؟ والجواب : ظاهر النهي للتحريم الوجه السادس : في تأويل الآية قال القفال : يحتمل أن يكون المقصد من الآية أن يحرم على النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يعطي لأحد شيئا لطلب عوض سواء كان ذلك العوض زائدا أو ناقصا أو مساويا ، ويكون معنى قوله : تَسْتَكْثِرُ أي طالبا للكثرة كارها أن ينقص المال بسبب العطاء ، فيكون الاستكثار هاهنا عبارة عن طلب العوض كيف كان ، وإنما حسنت هذه الاستعارة لأن الغالب أن الثواب يكون زائدا على العطاء ، فسمى طلب الثواب استكثارا حملا للشيء على أغلب أحواله ، وهذا كما أن الأغلب أن المرأة إنما تتزوج ولها ولد للحاجة إلى من يربي ولدها فسمي الولد ربيبا ، ثم اتسع الأمر فسمي ربيبا وإن كان حين تتزوج أمه كبيرا ، ومن ذهب إلى هذا القول قال : السبب فيه أن يصير عطاء النبي صلى اللّه عليه وسلم خاليا عن انتظار العوض والتفات الناس إليه ، فيكون ذلك خالصا مخلصا لوجه اللّه تعالى الوجه السابع : أن يكون المعنى ولا تمنن على الناس بما تنعم عليهم وتعطيهم استكثارا منك لتلك العطية ، بل ينبغي أن تستقلها وتستحقرها وتكون كالمتعذر من ذلك المنعم عليه في ذلك الإنعام ، فإن الدنيا بأسرها قليلة ، فكيف ذلك القدر الذي هو قليل في غاية القلة بالنسبة إلى الدنيا ، وهذه الوجوه الثلاثة الأخيرة كالمرتبة فالوجه الأول : معناه كونه عليه الصلاة والسلام ممنوعا من طلب الزيادة في العوض والوجه الثاني : معناه كونه ممنوعا عن طلب مطلق العوض زائدا كان أو مساويا أو ناقصا والوجه الثالث : معناه أن يعطي وينسب نفسه إلى التقصير ويجعل نفسه تحت منة المنعم عليه حيث قبل منه ذلك الإنعام الوجه الثامن : معناه إذا أعطيت شيئا فلا ينبغي أن تمن عليه بسبب أنك تستكثر تلك العطية ، فإن المن محبط لثواب العمل ، قال تعالى : لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ [ البقرة : 264 ] . المسألة الثانية : قرأ الحسن : تَسْتَكْثِرُ بالجزم وأكثر المحققين أبوا هذه القراءة ، ومنهم من قبلها وذكروا في صحتها ثلاثة أوجه : أحدها : كأنه قيل : لا تمنن لا تستكثر وثانيها : أن يكون أراد تستكثر فأسكن الراء لثقل الضمة مع كثرة الحركات ، كما حكاه أبو زيد في قوله تعالى : بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ بإسكان اللام وثالثها : أن يعتبر حال الوقف ، وقرأ الأعمش : تَسْتَكْثِرُ بالنصب بإضمار أن كقوله : ألا أيهذا الزاجري احضر الوغى * [ وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدى ] ويؤيده قراءة ابن مسعود : ولا تمنن أن تستكثر .